الجمعة، مايو 06، 2016

الآن أفعل ما أقول


سأعيد ترتيب القصائد
وأعيد ترتيب الحروف
سأقدم الربيع على الشتاء
وأجعل الصيف نصف عام
وربما ألغي الخريف
وقد أزيد على الشهور
شهرا أسميه "النساء"
ويوماً أسميه "الضمير"
وآخر مخصص للفقراء
وثالث للأغنياء الأغبياء
ونصف يوم للفضول
......
الآن أفعل ما أقول

للزاوية ..واحد وعشرون قبلة


مقدمة
في هذه القبلات الواحدة والعشرون حاولت أن أغطي شخصيات رسمت علامات فارقة في تاريخ الزاوية وحاضراها وربما في مستقبلها، حاولت أن اغطي احداث وأماكن لي ولكم وللكثيرين فيها ذكريات، فاعذروني إن لم تسعفني الذاكرة الخمسينية، وسقط سهواً أي فعل أو اسم أو مكان، لكني - والله - أحب هذه البلدة، أحبها بناسها أولا، وبحجارتها وأراضيها ثانيا، بوديانها وتلالها، بتينها وعنبها وزيتونها، بمؤمنها وفاجرها، هي الزاوية بكل تفاصيلها. لها ما لها وعليها ما عليها، ولكنها تبقى بلدتي... حبيبتي، ولحم أكتافي من خيرها. أحبها وأحبكم جميعا، سواء اتفقنا هنا او اختلفنا هناك، احبكم بدون استثناء. 
 (1) 
 هي الزاوية.. كنعانية ذات جمال ودلال هي حَبْوُنا ذو بدئ ..وهي أول حُبِنا وآخر عشقنا. مسقط الرأس، ومهبط القلب. هي فلّاحة نصبت على رموش الجلجل عريشتها وهي مهرةٌ تصهل في العرش ما انفكت تخرج على تعاليم شيوخ القبيلة كما تفاحة آدم تعلن تمردها في واد السحايل. بلد الخير...لا يجوع فيها طير هي الزاوية.." رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات". 
(2) 
 هي الزاوية.. أوف...عتابا وميجنا ودبكة فرح اليعقوب في ميون (عالشمالية).. موقدة النار في عرس على الهدد وشقير يفتّش في تّراب خلة الوطاوط عن سرّ الخصب.. وحكاية التّكاثر في بيوت الطّين هناك على سفح قرنة الشيخ عيسى، ورداد يردد موال حنين: "يما مويل الهوى...يما مواليا..ضرب الخناجر ولا حكم النذل بيا" وفي "ملبِس" يرتوي السكين. الزاوية.. هي تلك المسافة الممتدة أفقيا بين امرأة تحمل رضيعاً وسلماً وتجر حماراً، وأخرى تلبس عباءة فاخرة، وبيدها جوال مذهب من طراز ”آيفون 7“ . وهي كذلك المسافة الممتدة بين شموخ النّسور على تلة النَّجَمَة والرّجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه في سريسيا.

(3) 
هي الزاوية رِقة الحنون في خلة الرميلة ، ومناجل الحاصدين في جبل الكروم رائحة الطيون في خلة الرهبان، وطعم السيبعة والطقيش والخس البري والذِبَح في العرش، وشبابة الرعاة في الجبل الأزرق وأهازيج الحصادين في جبل صبح. هي أحاديث الرّجال في (عليّة حسين العلي )، وبطولة الفدائيين (رفيق الدهود) في الكركند. الزاوية ما قاله (محمد الشقور) و(طالب الراجح)، لـ (مصطفى القدوره) على مدخل دار ريان (وحسن الكليب).. وما طبع (الشيخ عبد الرحمن الرابي) على صفحات الذّاكرة وهو يعلّمهم (نون والقلم وما يسطرون، ومن علمنا (راس روس و دار دور) هي الاستاذ روحي وجودت الجودي يمازحهم صلاح الأشقر. الزاوية (مقام الشيخ قاسم) و(العمري) و( والشخ ريان ) والعبهرة ومن دخل بيتاً من بيوت الزاوية فهو آمن.

(4) 
هي الزاوية طفولة تزهر وتتفتح على مثلث (مدرسة البنات والعين والحرايق.. ) كهوف بني كنعان (مغارة النطٌافة).. الزاوية.. ركعتان من النّوافل على بير الحاج اسعد الابراهيم (قبالة قصر واد اعمر يغازل قطان رافات الجارة الحبيبة).. حمام يحطّ على مئذنة المسجد الكبير، ووصايا أم سامر لطفل يصنع مقلاعاً في خلة الشرقية الزاوية ما قاله جميل السلخي للحاكم العسكري للمنطقة (دووف...أنت محتل وغير مرحب بك في الزاوية). 

(5) 
 هي الزاوية.. سيّدة الخير، ونارها قش. هي ولد طائش يقود سيّارة (مشطوبة) تصدح بأغنية عبرية لا يأبه لمعناها، وآخر يحمل كتاباً وحلماً بحجم السماء اسمه الوطن، هي وطن اختصره بلبل يستحم بتراب في ظل زيتونة رومية في وادي سبيتان تعطي شوال "أبو الحز الأحمر" سنة الماسية. هي ولد يركض في ملعب المريج، وآخر يلبس جينزاً ساحلاً بمقدار شبر، "ويعفط "سجائر عربية رديئة الطعم والرائحة ويحمل بيمناه عبوة "إكس إل". هي مراهقة تساعد أمّها على استخدام تقنية "لايك" على صورة الجارة أم أحمد وهي (تغازل رغيف الطّابون) في النًجًمِه، وأخرى تحاول عبثا أن تقنع أمّها بمدى أهميّة "الواتس آب" وعلاقته بالأدب الجّاهلي، وهي طلبة الدروس الخصوصية في المركز الثقافي وتكريم القيادات الشابة للناجحين في كل عام. هي زاوية الرجال المبدعون (عبد القادر ابو نبعة) والتي رفعت لهم الزاوية قبعات الاحترام، ونثرت لهم أزهار اللوز في خلة ابو زوانه. 
(6) 
هي الزاوية.. هي ترعرع الصغار والكبار، هي أطفال الانتفاضة الأولى الذين تجاوزوا الرجولة بأعوام، وطاردهم الظلام قانتصروا على السجان، وهي حديث العامة العاديّ جدا: انتصار المقاومة، الرّبيع العربي والبقدونس ، داعش والغبراء، هبوط الدولار مقابل الشيكل، ومحمد عساف وهو يعليّ الكوفيّة ويلولح فيها، هي مشجعو (البرشة) يتحدّون مناصرو الريال، وهي عجوز يقص ايامه على احفاده وهو يرقد على سرير المرض في مستشفى (ياسر عرفات) في سلفيت ، وهي تاجر، ونجّار، هي حداد وموسرجي، حلّاق وسواق، وأصوات تصدح : آخر راكب - في كراجات نابلس - على البلد!! الزاوية مسحة بديا، ولا تقل أبداً: بديا مسحة الزاوية!! فتلك من المحظورات. 
(7) 
هي الزاوية.. حصن وحضن القريب والحبيب والغريب. هي عريشة أولاد المدارس على لوزة ألقت بثمارها من خلف سور الدار، تقول لتلميذ أثقلته الحقيبة المدرسية "هيت لك". هي العمات والخالات والخًلات، خلة تقابل خلًة، وكهل اعتلى ظهر حماره "صندلاني" فمن خلًة الكزبره، إلى خلًة الوطاوط، مروراً بخًلة حبيبية، والحبيبية هي ذاتها، هي الزاوية. 
(8) 
هي الزاوية.. عجوز تفتح صندوق جهازها وتشرح لـ كناتها عن (كسوتها اليافوية) ومهرها.. أثوابها العتيقة حمل جمل.. هذا الحزام من الشام، وهذا المنديل من الحجاز، أمًا هذا ثوب عسملي (تركي يعني) وتضيف بحرقة لو لم يلتهم الزمان نظرها لطرّزت لحفيدتها شالاً. الزاوية أمهاتنا اللواتي حضن الأرض لأجلنا، وهن اللواتي عشقن الزاوية لأن لحم اكتافنا من خيرها (زيتها وزيتونها، عدسها وفولها ....حتى خبيزية تلالها وحواف مقابرها). 
(9) 
هي الزاوية الزاوية درسنا الدّائم في الجيوبوليتيكا الزاوية انثربيولوجيا عائلاتنا وفلكور روايتنا الشّعبيّة.. نحبّها من ألفها وحتى تائها المربوطة، ونحفظها عن ظهر القلب وباطنه، نحبّ ماءها ...أكان من العين الوسطى ام من الشرقية، أكان من الدحو ام من مٌقر في جبل عرارة، ونعشق طعم زيتها، أكان عكراً أم شهداً صافياً زلالا ، ويفتننا طقسها أكان بردا قارصا او كان حرَاقا جافا. هي بلدنا وعلى قدنا، نخضع لمرادها حين تعيا قلوبنا، وتتكئ على أكتافنا ونحملها اذا مرضت، ندللها اذا جارت على تلالها الأزمان، ونفديها بأعيننا اذا ما حاصرها المحتل (فليرحل). 
(10) 
 هي الزاوية.. وهي أوّل الغيث، والرعد، والبرق، وقوس قزح والشّجر، على جذعها حفرنا اسم الحبيبة الصغيرة، في تعاميرها طاردنا الفراشات والعصافير البلدية، ولها عيون – قتلننا – وفي طرفها حور، ولها قاف كما الكاف مخففة ، ويمضغها أطافيل أزقتنا، عراة تحت مزراب، تعلموا دروس الفيزياء وحساب الجبر والأحياء، عصى موسى، بل صاروا اليوم اساتذة وألفوا دواوين من الشعر... ولها أن ترتّب أيامنا وأعمارنا كما شاءت، من الجّمعة إلى الجمعة، ومن مفرق جبهتها عند رافات حتى أخمص قدميها حيث تشتبك مع مسحة.. لك الأمر يا أمّنا .. فاطلبي تُطاعي، لك العافية والصحة. 
(11) 
هي الزاوية .. زعرورة في باطن الكراز تنبت الآن في (الحوقة)، وشنّارة تبيض في فيء نّتشة بوادي السحايل.. (نيرٌ ومحراث عجال) يشقّ التعميرة في (ظهر صبح).. وبيوت حجرية تزحف على (ميِون) تصارع شجرة البلّوط ، تضيئها العجائز بالطّقوس على ألواح صبرة في (المريج).. على بعد ركعتين من بركة (معصبة) على طريق المقبرة.. وبعض نقوش في سقف الجامع العمري في دير قسيس، قبل أن تفترسها مخالبُ الجرّافات الصفراء، وما سجل التاريخ للأبطال "هنا سقط الجدار". 
(12) 
هي الزاوية وهي تحط أهداب دماية (الروزا) لعبد الحميد الفارس على حجارة اصطفت كالعسكر قُدًام دكان مصطفى الحاج ابراهيم، وادعت اذاعة لندن (أننا نرفض قرار التقسيم ، في تعليق مفصل لمحمود العيد!! وهي وجداننا الشّعبي للعرس الرابع للمختار ، والنار التي لم يخمد أوارها منذ سبعة أيام وسبع ليال سمان في الساحة، وهي أهازيج الشباب (نيخ يا جملنا نيخ...جملنا محمل بطيخ) والزاوية خطيب يناقش خطيبته في نوع الأغاني التي سيطلقها الدي جي في صالة الأفراح والحجز على متن الخطوط الماليزية واسم الجزيرة الساحرة التي سيقضيان فيها شهر العسل. 
(13) 
 هي الزاوية .. ضَربةٌ حرة ومباشرة لنادي شباب الزاوية الرياضي، وشاب مغترب وقع في حب الفريق فأهداه الرئيس درعاً وقميص...وللزاوية هدافيها وأبطالها في الشطرنج!! فاسرجوا الخيل حتى لا تسقط القلاع. 
(14) 
هي الزاوية.. حكايات الفدائيين المعجونة بالأساطير.. (الضبع ) اوائل الثوارأبو عفانه المغامر وخبر اعتقال كليب رداد. وهي ما زرعه شيخ الأسرى أبو الناجي من سنديان شّموخ ابو اياد وعناد العفو مصباح، وما شيّده منصور والزامور من صلابة في مواجهة الحديد والسّجان البغيض. وهي حلم الأمهات.. وملح العيون.. لهفة الزوجات الصابرات، قصص الاطفال معهن قبل النّوم.. فلان..يا فلان.. حصّتك في المقلوبة بالباذنجان وفخذ الدجاحة التي تحب، وكعك تمر العيد.. أدعية الشيخ على منبر الجمعات اللهم فكّ أسرهم.. وكل المأسورين يا الله... آمين. 
(15) 
 الزاوية حديث دائما متفق عليه سيرة الشّهداء.. نجومنا في السماء.. أعمدة المساجد ومناراتها السامقات، هم الذين بذروا وردَ دمائهم في ازقتنا وجبالنا فأنبتت حنونا وشقائق نعمان..ونرجس، وبلغة الزاوية "رنجس" هم الذين اعتمرت بالحريّة عيونُهم، إلّا أن يقولوا ربنا الله، فسَجعت النسوة عليهم بالزّغاريد، والرفاق بالاهازيج "هللي طلوا النشامى هللي..يا ديار العز يا ديرة هلي". هم منطقة الشهيد محمد غالب، سامر نعيم ، شقير سمارة شقير، عبد الرحمن رداد، ناجي عيد شقير، اياد نعيم راتب رداد ، الشهيد غسان شريف محمد شقور، الشهيد عبد الكريم يوسف ابو نبعه، الشهيد رامي نادر طالب شقير، الشهيد صبحي موسى صالح شقير، الشهيد خليل سليمان رداد، الشهيد مصطفى احمد مصطفى شقير 
(16) 
 هي الزاوية.. مطاردة صعبة ومرّة لرّغيف الخبز من تحت وعبر الاسلاك الشائكة غربا. كل الاشياء في الزاوية تتجه الى الغرب، كيف لا وهي وجع في خاصرة البحر هي جباه العمّال وعرقهم ، وخشونة اياديهم الطاهرة وما أصاب أجسادهم من جروح ورضوض، وابتسامات صغارهم وزوجاتهم حين يعودون بقوت يومهم أخر النهار. الزاوية أوجاع العائلات المستورة ، عزة النفس والأنفة، هي سهر طلبة التوجيهي وأمهاتهم، وهي نوافذ العشّاق (الإلكترونية على الماسنجر والفايبر )، وهي ما يعتري الغائبين في المنافي القريبة والبعيدة من وجع الحنين !! والذكريات الحلوة والمرة وما بين بين. 
 (17) 
هي الزاوية.. تلاوة الشيخ عبد الرحمن قبيل صلاة العصر.. صوت (الشيخ عثمان قادوس) لسورة يوسف صلاة الجمعة. ونداء مصطفى السلخي صبيحة العيد أن (قوموا قيام..وصفوا الأقدام) والشخ عبد الجبار "يا نايم وحد الدايم" دائما في رمضان. 
(18) 
 هي الزاوية.. هي الناس الطّيبون، الرائعون المجبلون على حب الأرض والانسان ، هم اؤلئك الذين يولدون بصمت ويموتون بصمت ولا يستكبرون. هي الحب المشاع.. وهي الجمال والخيال وهي الحقيقة والظلال تمشي على استحياء!! هي الحجّة (عايشة الحسين وبلقيس والدقلية وهنية وزريفة الخميس ) يرقبن (درب التبانة) ومواعيد الصلاة والمطر والحصادين.. وهي الجدة ابنة الثمانين حولا تقبض على عصا الغلة باليمين ، وتقلب البيدر والحبوب، تعلف الدّجاج، وتعاقب الديك اللعين، أو تحمل جرتها من والى العين، وتهز عصاها ولا تخشى إلا ربًها والذئب على غنماتها.. لم تكن الحاجة أم قاسم في دكانها الصغير تعرف اسماء الدواء ولا الأطباء والمستشفىات لكنها ولدت اكثر من نصف نساء الزاوية وحملت ودائعهن وأسرارهن وثقة أزواجهن ، فأنجبن أجيالا في كامل الصحة والعافية، فعليها وعلى كل جداتنا الرحمة والنور.
(19) 
هي الزاوية .. رجالها ..نسائها، شهدائها، أسراها، شيوخها، خطبائها، مدرسوها، ومغتربوها حيث حملوها في قلوبهم وفي روائح الزعتر وطعم الزيت وميرامية جبالها. هي صهيل حصان (صبحي الغضبان) وحداء ابنه الجميل وجيه (بيت الزاوية الاصيل ...فعلا ما الو مثيل ....بيتنا بيت الوحدة....للأحمال الصعبة يشيل) (20) هي الزاوية هي التغيير السريع والفج من هواء البارندة الغربيةّ إلى مكيّفات الإلجي ومن كراديش الشّعير إلى عالم الكورن فليكس!! ومن البندورة المجففة وقلائد الباميا إلى الأندومي.. ومن تّعاليل الزير سالم وابو زيد الهلالي في ديوان يوسف الابراهيم إلى شاشات الفل اتش دي، ومن كانون النّار في صحن كل دار الى مدفئة الكهرباء والفايربليس الاوروبية الصنع... ومن باص ابو عليوه والتميمي إلى جيبات فور باي فور!! وهي الانتقال الاختياري من الشّاروخ النابلسي إلى ابوات النايك والأديداس، ومن الحطّة البيضاء والمبرقعة يعلوها العقال بدرجة ميلان خمس واربعون درجة، وانتهاء بموضة المارينز والجل والواكس والصبغات فسفورية الألوان.
(21) 
هي الزاوية.. هي اللغة التي تمشي على قدمين ويفهمها الزعتر والميرماية والشفيصية والريحان فينطق بها الشاي ويرددها الندماء صبح مساء.. هي وقوف شعر اليدين إن لفظت أسمها، وهي قشعريرة تصيبك تيها وفخارا عندما تسمعها من جيلنا الشاب، و "قياداتنا الشابة" وبيت الزاوية ، أو الزاوية بيتنا/ قد نختلف، لكننا اتفقنا جميعا أن: " الزاوية معاً أجمل" هي أجمل بكم في بيتكم فـ"الزاوية بيتنا" وحبنا وأرضنا وعرضنا هي الزاوية. ولها واحد وعشرون قبلة.

الأحد، مايو 10، 2015

منتصف أيار والجاز

كان أيار..والسفينة تخترق البحر بثقة..هدير محركها يقلق تأملات الأشياء وهي تبتعد عن الميناء ..والموج الأبيض المتكسر خلفنا يتلاشى في زرقة داكنة.

لحن من الجاز يقتحم أذني، وعبثا أحاول تفاديه... سيدة في الأربعين من مشمشها –على ذمة محمود درويش - وعلى بعد مقعدين مني، تطرق بقدميها أرضية السفينة الحديدية، وتلوح برأسها وأعلى جسدها متابعة النغمات...رمقتها بنصف نظرة خلسة..وعدتُ للكتابة، وهي بارعة - ككل النساء – في اصطياد النظرات وفي إظهار عدم المبالة في نفس الوقت.

سرحتُ وعدتُ للكتابة مرة أخرى..لكن سعلة شديدة أجبرتني على التوقف للمرة الثالثة..ربما كنت بحاجة لقليل من النيكوتين..او الكافئيين..فرغم أن الزاوية مسقط راسي – فهي ليست في خاصرة المتوسط - إلا أنني ولدت كما لو كنت ابن بحار، فلم أعاني من الدوار يوماً إذا ما ركبت البحر..

جاز الكاريبي كموقعه يتوسط الأمريكتين، جاء مشوه الخلقة كمولود الطفرة الجينية، وبالكاد تشم فيه رائحة الجاز..ولولا تنقلي بين شمال وجنوب القارتين، لظننت أنني في كوكب آخر..أقول همسا، حتى لا يسمعني أصدقائي في المارتنيك* ..فيما يرقصون له طرباً، ويعدونه فناً، فلو علموا بما أفكر به الآن لناصبوا العداء – ليس لي فحسب بل – للقضية الفلسطينية برمتها وللشعب الفلسطيني عامة، وهم الذين يُعدونً من أشد أنصارنا، لقد أبدى صديقي الدكتور ناصر ناصر استياءًه – بيني وبينه بالطبع- بعدما ألقى محاضرة في مئة من مثقفيهم، ولم يجد أحداً بين الحضور يخالفه الرأي،أو يسأل سؤالاً محرجاً، كلهم معنا، همس في أذني : وأردف: لو كان بينهم ثلاثة أو أربعة على الأقل ضدنا لكانت الندوة أكثر إثارة.

عودة إلى الجاز، ما زالت السيدة تهز رأسها هائمة.
هل أتابع الكتابة؟؟ حدثني نفسي، وبررت بالقول: بقي نصف ساعة حتى نصل سانت لوسيا*، وانتصف بياض الصفحة، خلال التسع وعشرين دقيقة القادمة علي أن أنشر الحبر وأوزعه بالتساوي على المساحة المتبقية في الورقة اليتيمة التي بحوزتي.
سائح فرنسي شاب يقف ورائي ..وأظنه يتلصص على ما أكتب.

الآن فقط تسللت إلى خياشيمي – أقصد خشومي – رائحة البحر، وبالمناسبة يعرب إبني الصغير جمال (أريع سنوات) كلمة
My Nose أي أنفي.. فيقول نوزي .

على كل حال، سيتعجب الفرنسي من هذه الطلاسم، ويعقد حاجبيه..وربما يجمع شجاعته، ليقول كعادتهم دائما: تكتبون بالمقلوب!!
وسأجيب كالعادة أيضا: لا يا سيدي، أنتم بالنسبة لنا من يكتب بالمقلوب..
وقد أضيف، إذا كنت تمسك القلم باليمين، أليس من المنطقي أن تبدأ الكتابة من الجهة اليمنى من الصفحة، وهي الأقرب لك؟

(لكل امرئ فيما يحاول مذهب) ما لنا والفرنسي..ولكني في هذا المقام أطرق باب الاختلاف في الرأي ووجهات النظر، والتي قد تكون على النقيض تماما.. وقد يكون كلا الطرفين على حق .. من وجهة نظره طبعا..من المفيد أن تضع نفسك في موقع من اختلفت معه في الرأي..وتسال نفسك، لو كنت مكانه هل كنت سأتخذ نفس الموقف؟؟؟

تقول القصة المشهورة أن  صديقان
جلسا على طاولة، واحتدم بينهم النقاش.. كل تمسك برأيه..لكن أكثرهما حكمة قال لصديقه
كلانا على حق..وسأثبت لك ذلك.
قال كيف؟؟
أخرج الحكيم عودين من الكبريت ووضعهما على الطاولة بزاوية حادة
وسال صديقه : العوادن شكلا رقماً، فما هو؟ أجاب الآخر : سبعة
قال: لا، هو ثمانية وليس سبعة
فأصر الأخر على أنه سبعة....
هنا قال الحكيم : تعال اجلس مكاني وسآخذ مكانك
فبدلا المقاعد: قال الآخر معك حق من موقعك الرقم الظاهر هو تمانية!!
هل أدركت يا صديقي أن كلانا كان على حق؟؟؟.

بدأ الركاب يتناسلون من مقاعدهم مهرولين للعودة إلى الأرض – وهي حق – وأنا كعادتي لست على عجلة من أمري، فهنا - على خلاف عالمنا العربي - الأولوية للمواطنين، أما الأجانب أمثالي فعلينا الانتظار حتى النهاية.. إذن ما الفائدة من الركض باتجاه المخرج؟

ولأن حدود البحر مع اليابسة أهدأ من الجو..وهو مجرد شعور ينتابني.. ربما بسبب الأفقية..والوصول إلى شاطئ الأمان، لا يقابله مصطلح (مطار الأمان)، فقد يتفهم السائح الفرنسي الشاب نظريتي، أما السيدة الأربعينية، فقد غادرت مقعدها وتركتني والجاز وحيدين، فهي مواطنة ، أما أنا والفرنسي فغريبين...ولأن الغريب للغريب قريب.. فقد قررنا أن نكون أصدقاء مرحلياً، على الأقل من جانبي، ولنا في الحلول المرحلية إرث لا نُحسد عليه... وربما نصل إلى حل دائم..

كان ذلك في أيار مضى، وأسوء ما فيه على عكس بقية الاشياء وسطه، فعندما ينتصف أيار.. ينتصف قلبي..ففي كل عام  يهّل هذا الشهر- أو ينهال علينا، تنتابني موجة عارمة من الحزن، تلازمني حتى أيار الذي يليه، ولأن الجاز حزين ، فهو يليق بأيار وفي الجاز مجاز وما جاز وما لا يجوز.


-----------------------
15 ايار1948 ..ذكرى النكبة
المارتينيك ، سانت لوسيا، جزرتين في البحر الكاريبي